المؤلف: طه جابر العلواني

دار النشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي

سنة الطبع: (1413هـ=1992م) ...

مكان النشر فرجينيا –الولايات المتحدة

-الطبعة الثالثة

عدد الصفحات: 179

أدب الاختلاف في الإسلام

ظهر كتاب "أدب الاختلاف" في بداية الثمانينيات، التي شهدت صعودا للإسلاميين بعد عقود من التغييب والإبعاد والقهر، ومع تنوع الجماعات ظهرت الاختلافات الفقهية والفكرية والتنظيمية، وحدثت حالة من الشقاق الذي وصل إلى التكفير، وربما استحلال الدم في بعض الحالات، وهو ما دعا الفقيه الأصولي الدكتور "طه جابر العلواني" أن يبذل جهدا فكريا ويكتب في أدب الاختلاف بين المسلمين، وكيفية علاج المسلمين لخلافاتهم وفق منهج يراعي الحفاظ على الأمة، توحيدها ووحدتها.

وتأكيدا لهذه القيمة أخذ يستدعي أخلاقيات الخلاف في الإسلام وآدابه، ونماذجه المشرقة في الحضارة الإسلامية، تذكيرا للإسلاميين، في فترة كان جل الخلافات يدور حول: اللحية، والموسيقى والأغاني، ونقاب المرأة، والمشاركة السياسية، واستُدعي القاموس البغيض في التكفير والتفسيق والتبديع.

يتكون الكتاب من مقدمة وستة فصول وخاتمة. والفصول هي: في بيان حقيقة الاختلاف، وتاريخ الاختلاف وتطوره، واختلاف مناهج الأئمة في الاستنباط، وأسباب الاختلاف وتطورها، ومعالم الاختلاف بين الأئمة وآدابه، والخلاف بعد القرون الخيرة.

القرآن والخلاف

إن أخطر ما يصيب الأمم هو الاختلاف، والقرآن الكريم وسنة النبي، صلى الله عليه وسلم، ما حرصا على شيء بعد التوحيد قدر حرصهما على تأكيد وحدة الأمة، ونبذ الاختلاف بين أبنائها، وإيجاد الآليات لمعالجة الخلاف إذا وقع.

وحضور البعد الإيماني من الضمانات الحقيقية لشرعية العلاقات بين المسلمين، وهو الملاذ الأخير لتصفية الخلافات ونزع أغلال القلوب، حتى لا يكون هناك اكتساب للمعرفة وتضييع لخُلقها، وحتى لا يصبح جهد الناس منصبا على امتلاك الوسيلة في ظل إضاعة الغاية، فالقرآن الكريم يتحدث في آياته أن أهل الكتاب لم يُؤتَوا من قلة العلم، وضآلة المعرفة، وإنما كان هلاكهم لأنهم استخدموا ذلك العلم وتلك المعرفة للبغي بينهم.

ولكن هل ورث المسلمون علل أهل الكتاب بدل أن يرثوا الكتاب الكريم؟ وهل ورثوا البغي فيما بينهم بدلا من أن يرثوا العلم والمعرفة وأخلاقهما؟

الحقيقة أن الاختلاف والبغي وتفريق الدين هي من علل أهل الكتاب التي كانت سببا في هلاكهم ونسخ أديانهم وبقاء قصصهم وسائلَ إيضاحٍ وعبرةً للناس بعد ذلك، أما المسلمون فهم أصحاب الرسالة الخاتمة ولا سبيل للاستبدال، لذا فإن ما يصيب الأمة المسلمة هو الوهن، والتآكل الداخلي.

الاختلاف سنة كونية

الاختلاف سنة كونية واجتماعية، فالناس مختلفون، والمؤمنون درجات، لكن تبقى المشكلة أن يتحول هذا الاختلاف من عامل عافية وقوة إلى عامل إضعاف وتفرقة وتقاتل.

ومن فوائد الاختلاف التي تحدث عنها الكتاب، أنه يتيح التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن للدليل أن يكون رمى إليها بوجه من الوجوه، كما أنه رياضة ذهنية توجد تعددا في الحلول، لكنه يحذر أنه إذا تجاوز الاختلاف حدوده أصبح ظاهرة مرضية وسلبية.

وينقسم الخلاف من حيث دوافعه إلى:

- خلاف ناتج عن الهوى، والهوى هو مطية الشيطان إلى الكفر، وهو لا يأتي بخير كما دلت آيات القرآن الكريم، ومما يكشف وجود الهوى في الرأي تصادمه مع صحيح الكتاب والسنة، ومقتضيات العقول السليمة، وفي الرؤية الإسلامية ليس كل خلاف مذموم، فالاختلاف بين المسلمين وأهل الباطل والأهواء هو اختلاف محمود.

- وخلاف في الأمور الفرعية في الدين، فتتردد الأحكام بين احتمالات متعددة، وهو اختلاف يخلق سعة أمام المسلم.

والغالب أن المجتهدين والفقهاء الماهرين يجتهدون فيما يحقق كليات الشريعة، ويوصل إلى مقاصدها، بالأخذ بالظاهر، وأحيانا بالتأويل، الذي وضع له العلماء مجموعة من الضوابط، منها: القدرة على التدبر، فلا يُلجأ للتأويل إلا في المسائل الاجتهادية، أما المسائل الاعتقادية فلا مجال للاجتهاد فيها، وعند الاضطرار للتأويل لابد من فهم النص وتحليله، وألا يخالف التأويل قاعدة شرعية مجمعا عليها بين العلماء والأئمة، وألا يناقض نصا قرآنيا، مع مراعاة الغرض الذي سيق النص له من خلال سبب النزول.

 

الصحابة والاختلاف

حرصت السنة النبوية على إبعاد شبح الاختلاف عن واقع المسلمين، ووضع الضوابط لها في حال حدوثه، وفي الحديث"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (   [1]) و"اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا" (   [2])، وكان الصحابي عبد الله بن مسعود يقول "الخلاف شر"، وحاول الصحابة ألا يختلفوا، لذا لم يكثروا من المسائل والتفريعات، وإذا وقع الخلاف ردوه إلى الكتاب والسنة والتزموا بما قضيا، مع التزام التقوى وتجنب الهوى، والتزام آداب الإسلام في الحوار. 

وكان أول اختلاف وقع بين الصحابة حول حقيقة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ودفنه، وخلافته، وقتال مانعي الزكاة، فلم يقبل البعض القول بوفاته صلى الله عليه وسلم، مثل عمر بن الخطاب، إلا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهما ذكره بالآية الكريمة "إنك ميت وإنهم ميتون" (الزمر :30) فاستيقن عمر بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهى الخلاف.

 

أما أخطر الاختلافات فكان ما تعلق بخلافته حيث انقسم المسلمون إلى أنصار ومهاجرين، وظهر اتجاه أن يكون للمسلمين أميران استجابة لمقولة أطلقها أحد الأنصار: "منا أمير ومنكم أمير"، إلا أنها حسمت في سقيفة بني ساعدة، وحسم  الخلاف قبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال حوار هادئ قائم على إثارة أنبل المعاني والمشاعر في النفوس المؤمنة.

 

وقد وقعت خلافات في المسائل الفقهية بين كبار الصحابة، فكان هناك اختلاف في مائة مسألة فقهية بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، ورغم ذلك لم تنقص المودة بينهما، ويلاحظ أن الخلاف بين الصحابة لم تكن المسائل الاعتقادية جزءا منه.

 

حتى في لحظات الخلاف التي وصلت إلى القتال، كان الصحابة يحفظون قدر بعضهم البعض، فالخليفة علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- عندما سئل عن مخالفيه الذين قاتلوه في معركة الجمل أمشركون هم؟ فرد: من الشرك فروا.

 

فقيل له: أمنافقون هم؟ فقال علي: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا.

 

فقيل له: فمن هم إذن؟ فقال علي: إخواننا بغوا علينا.

 

أما زمن التابعين، فكانوا يعترفون بالخلاف، ويبحثون عن الدليل، ويلخص ذلك الإمام أبو حنيفة بقوله: "هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه، ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به".

 

الخلاف بين السياسة والفقه 

 

انعكس الخلاف السياسي على نمو الخلافات الاعتقادية، فظهرت الفرق مثل: الجهمية والمعتزلة والخوارج، وعرفت تلك الفترة وضع الأحاديث المكذوبة لتأييد الموقف السياسي، وأصبحت القصص ذات المغزى السياسي تنتشر على ألسنة الناس داعمة للفرقة والاختلاف، خاصة في العراق، وهو ما جعل فقهاء العراق يتخذون الاحتياطات ويضعون الشروط لقبول السنن والأخبار، حرصا ألا يدخل في فقههم فكر أهل الأهواء والبدع والفرق المتصارعة، أي سعوا لإبعاد الفقه والحديث النبوي عن دائرة الخلاف السياسي حفظا للدين، وعرف الفقه الإسلامي مدرسة العراق، التي كان يغلب فيها الرأي على الأثر، ومدرسة المدينة وكان فقهاؤها لا يأبهون بالعلل إلا حين يعييهم الوصول إلى نص أو أثر، حتى إنهم كانوا يتحاشون القول بالرأي، فقد سئل أحدهم عن شيء، فقال: لا أدري. فقيل له: فقس لنا برأيك. فقال: أخاف أن تزل قدمي.

 

والمذاهب الفقهية التي ظهرت بعد الصحابة والتابعين يعدها البعض ثلاثة عشر مذهبا، وينسب جميعها إلى أهل السنة، ولكن لم ينل حظه من التدوين سوى فقه ثمانية أو تسعة من هؤلاء الأئمة، ولعل الخلاف بين الفقهاء يرجع إلى اختلافهم في فهم اللغة ودلالات ألفاظها، واختلافهم في القواعد الأصولية وضوابط الاستنباط التي يستندون عليها في آرائهم، فمثلا بعض المذاهب ترى أن فتوى الصحابي إذا اشتهرت ولم يكن لها مخالف من الصحابة أنفسهم فهي حجة، ويرون أن الصحابي لن يفتي إلا إذا استند إلى دليل، أو سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، ربما لم يصل إلينا، وهناك مذاهب أخرى ترى خلاف ذلك، وترى الحجة فيما يرويه الصحابي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لا فيما يراه.

  

 

   

 

 

 

 [1] (أخرجه البخاري)

   

 [2] (أخرجه الشيخان )